أبي منصور الماتريدي

428

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

للداعي ، كما قال [ الله ] « 1 » تعالى : مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ [ القمر : 8 ] . وقال القتبي : الصاخة هي الداهية ، فذكر القيامة بالأحوال التي تكون فيها ، أو بالأفعال التي توجد فيها ؛ على ما ذكرنا . وقال الزجاج : الصاخة : المصمة ، تصم لها الأسماع عن كل شيء إلا إلى ما يدعى إليها . وقوله - عزّ وجل - : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ جائز أن يكون هذا على تحقيق الفرار . وجائز ألا يكون على التحقيق ، ولكن وصف بالفرار لما يوجد منه المعنى الذي يوجد من الفار ، قال الله - تعالى - : فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [ المؤمنون : 101 ] والوجه فيه أن الأقرباء من شأنهم أنهم إذا اجتمعوا استبشر بعضهم ببعض ، وأنسوا بالاجتماع ، وإذا غابوا سألوا عن أحوالهم ، واهتموا لذلك . ثم هم في ذلك اليوم يدعون السؤال عند الغيبة والاستبشار عند الحضرة حتى كأنه لا أنساب بينهم ، لا أن يكون بينهم في الحقيقة نسب ، ولكن ما يحل بكل واحد من الاهتمام يشغله عن السؤال بحاله والاستبشار برؤيته حتى يصير كالفرار ؛ لوقوع المعنى الذي يوجد من الفار ، لا على تحقيق الفرار ؛ لأنه قال : لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ فما « 2 » يحل من الشأن يمنعه عن الفرار عن نفسه وعن أقربائه . أو يكون على حقيقة الفرار ، وذلك أن الأقرباء لا يوجد منهم القيام بوفاء جملة ما عليهم من الحقوق حتى لا يوجد منهم التقصير ؛ فيخافون « 3 » في ذلك اليوم أن يؤاخذوا بذلك فيحملهم على الفرار . أو يفر كل واحد منهم عن تحمل ثقل الأقرباء ، كما قال : وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى [ فاطر : 18 ] ، وقد كانوا يتعاونون في الدنيا في تحمل الأثقال ، فيخبر أنهم لا يتعاونون في ذلك اليوم ؛ بل يفرون . ثم جائز أن يكون هذا في الكفرة ، وأما أهل الإسلام فإنه يجوز أن تبقى بينهم حقوق القرابة كما أبقيت المودة فيما بين الأخلاء بقوله : الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [ الزخرف : 67 ] . وإن كان في المسلمين والكفرة جميعا فجائز أن يكون الفرار في بعض الأحوال ، وذلك

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : لما . ( 3 ) في ب : فيحتاجون .